كلمة الرياض القابضة

الرياض بين الأصالة والمعاصرة :
بدأ التطور العمراني في مدينة الرياض يأخذ منعطفًا جديدًا، خلال العقود الأخيرة، مع انطلاق حركة التعمير السريعة في أنحاء المدينة والمناطق المحيطة بها بصورة مذهلة، فأوجدت عددًا كبيرًا من الأحياء الجديدة، رافق ذلك خطط ضخمة لإقامة مختلف المشاريع البلدية من الطرق والجسور والتقاطعات الحديثة والإنارة وأنفاق السيارات والمشاة، والمواقف متعددة الطوابق والحدائق والمنتزهات، وملاعب الأطفال، والنوافير والأشكال الجمالية، والأسواق العامة والمراكز التجارية، والمسالخ الصحية، وغيرها من التجهيزات والمرافق الحديثة، هذا إلى جانب منشآت الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية وخدمات الاتصالات والنقل بأنواعه.

وتعد مدينة الرياض واحدة من أسرع مدن العالم توسعاً من حيث المساحة، وتمثل نموذجاً فريداً لنشأة مدينة عالمية كبرى في نحو نصف قرن من الزمان تلك الفترة التي لا تتسع -في عرف نشأة المدن- لكل ما حققته الرياض خلالها من إنجاز عمراني وحضري غير مسبوق.

لكن الرياض العريقة الآتية من رحم التاريخ كانت يقظة لهذا التمدد العمراني الكاسح، خشية أن يمحو هويتها، ويسدل الستار على تاريخها، فبدأ تحرك موازٍ للطفرة العمرانية غير المسبوقة عبر قائمة من المشروعات التراثية التي تحفظ للرياض هويتها، وتجعل من تراثها ومبانيها وأحيائها التاريخية علامات فريدة تتوسط لوحتها العمرانية الحديثة.

وتقف قائمة من المشروعات شاهدة على هذه المعادلة التي تتحقق على أرض مدينة قررت خوض تجربتها بالغة الحداثة لتحجز موقعاً مميزاً في صدارة أكثر المدن العالمية تطوراً، متسلحة بأصالتها المتمثلة في قائمة من مشروعات التراث الحضاري، ومنها، على سبيل المثال، مشروع تطوير وسط الدرعية، ويتضمن تطوير أحياء (الطريف – البجيري – سمحان)، ويهدف إلى تطوير الدرعية بوصفها مركزاً حضارياً تشع منه رسالة الدرعية الحضارية على المستوى المحلي والوطني والعالمي، والمحافظة على بيئة الدرعية من التدهور وإعادة توازنها الطبيعي، وتطوير المنطقة اقتصاديًا من خلال التنشيط الزراعي والسياحي والترفيهي.

وسعياً إلى استحضار حميمية أجواء الماضي تشهد أحياء مدينة الرياض إنشاء برحات تعتمد على أسلوب العيش وطبيعة الحياة التي عاشها الإنسان السعودي في الماضي، وإيجاد مكونات البيئة الرئيسية في حياته مثل النخيل والأحجار، وتصميم هذه المكونات لتعطي بيئة مماثلة للبيئة الطبيعية التي كان يعيشها المواطن بصورة مبسطة؛ بهدف البعد عن الطرق التقليدية في إنشاء الحدائق وتقليل أعمال الصيانة وإدخال بعض العناصر، مثل ممرات المشاة ومناطق مهيأة للجلوس ومناطق ترفيهية للأطفال، وكذلك وجود مكان واسع مفتوح «ساحة بلازا» متعددة الاستخدام لخدمة ساكني الحي.

وتهدف تلك البرحات إلى إيجاد مواقع لالتقاء سكان الحي مما يعزز البعد الإنساني للمدينة، وإعادة إحياء المساحات المفتوحة في الحي على النمط المعماري القديم للرياض، وإيجاد مواقع ترفيهية للأطفال والشباب وكبار السن، وتوفير ممرات لرياضة المشي وما لها من انعكاسات صحية واجتماعية ورياضية، حيث تتضمن البرحة عدة أقسام منها واحة النخيل، منطقة ألعاب أطفال «ألعاب جماعية وفردية»، ممر مشاة لممارسة رياضة المشي، مباني الخدمات العامة مثل دورات المياه، أماكن مهيأة للجلوس، ومواقف سيارات.

وتنتظر الرياض انتهاء مشروع واحة السياحة والتراث بمقر مهرجان الجنادرية، ومن المتوقع الانتهاء منه نهاية هذا العام، ومشروع توسعة مبنى قطاع الآثار بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي، ويتوقع الانتهاء من المشروع في نهاية 2015م.

ويضاف ما تقدم من مشروعات تراثية جديدة توازي بها الرياض طفرتها العمرانية الحديثة شواهد تاريخية عملاقة تقف على أرض المدينة وتحظى بالرعاية والاهتمام بشكل دائم وتفتح أبوابها للزائرين من أبناء المنطقة وضيوفها، ومنها: حصن المصمك، ويعد من أهم المعالم التاريخية في المملكة، إذ يحتل مكانة بارزة في تاريخ مدينة الرياض خاصة، والمملكة بشكلٍ عام، باعتباره يمثل الانطلاقة المباركة التي تم على إثرها تأسيس وتوحيد المملكة، والمصمك، أو المسمك، يعني البناء السميك المرتفع الحصين، وله تاريخ طويل، وقد تحول اليوم إلى معلم تراثي يمثل مرحلة من مراحل تأسيس المملكة العربية السعودية.

ومنطقة قصر الحكم، وهي بمثابة القلب النابض للعاصمة وهى بكافة الخدمات لتكون مركزاً إدارياً وثقافياً وتجارياً لمدينة الرياض، فأصبحت منطقة قصر الحكم اليوم تمثل نموذجاً رائعاً في إبراز ملامح الماضي في ثوب عصري متميز، وتضم المنطقة (قصر الحكم - بوابة الثميري - سوق الديرة - مركز المعيقلية التجاري- مركز سويقة - ساحة المصمك - ميدان العدل - ساحة الصفاة - ساحة الإمام محمد بن سعود - سور المدينة القديم وبواباته التاريخية - سوق الزل)، بالإضافة إلى "الدرعية" القديمة بسورها القديم وتحصيناته وأبراجه الطينية، مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في وسط مدينة الرياض، المتحف الذي شيد بمناسبة احتفال المملكة بمرور مائة عام على تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، وروعي في إنشائه المحافظة على الهوية التاريخية للمملكة مع مراعاة انسجامه مع التطور العمراني الذي تعيشه الرياض اليوم لكي يكون امتداداً للمشاريع التطويرية فيها.

وما تزال الرياض كل يوم تفتح نافذة جديدة لتطل منها الأجيال الحالية على ماضيها العريق، حتى تبقى محتفظة بهويتها الأصيلة، وفي الوقت نفسه تحث الرياض الخُطا لمواكبة ركب التطور بمحاذاة قيم الحداثة والمعاصرة.